المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بلال بن رباح


aj9-2wi5
10-28-2008, 01:27 PM
بلال بن رباح
الساخر من الاهوال

كان عمر بن الخطاب
اذا ذكر ابو بكر قال:
ابو بكر سيدنا واعتق سيدنا
..
يعني بلالا رضي الله عنه..
وان رجلا يلقبه عمر بسيدنا هو رجل عظيم ومحظوظ..
لكن هذا الرجل الشديد السمرة
النحيف الناحل
المفرط الطول الكث الشعر
الخفيف العارضين
لم يكن يسمع كلمات المدح والثناء توجه اليه
وتغدق عليه
الا ويحني راسه ويغض طرفه
ويقول وعبراته على وجنتيه تسيل:
انما انا حبشي.. كنت بالامس عبدا
..!!
فمن هذا الحبشي الذي كان بالامس عبدا..!!
انه "بلال بن رباح" مؤذن الاسلام
ومزعج الاصنام..
انه احدى معجزات الايمان والصدق.
احدى معجزات الاسلام العظيم..
في كل عشرة مسلمين. منذ بدا الاسلام الى اليوم
والى ما شاء الله سنلتقي بسبعة على الاقل يعرفون بلالا..
اي ان هناك مئات الملايين من البشر عبر القرون والاجيال عرفوا بلالا
وحفظوا اسمه
وعرفوا دوره. تماما كما عرفوا اعظم خليفتين في الاسلام: ابي بكر وعمر...!!
وانك لتسال الطفل الذي لا يزال يحبو في سنوات دراسته الاولى في مصر
ا
باكستان
ا
الصين..
وفي الامريكيتين
واوروبا وروسيا..
وفي تاعراق
وسوريا
وايران والسودان..
في تونس والمغرب والجزائر..
في اعماق افريقيا
وفوق هضاب اسيا..
في كل يقعة من الارض يقتنها مسلمون
تستطيع ان تسال اي طفل مسلم: من بلال يا غلام؟
فيجيبك: انه مؤذن الرسول.. وانه العبد الذي كان سيده يعذبه بالحجارة المستعرة ليرده عن دينه
فيقول:
احد.. احد..

وحينما تبصر هذا الخلود الذي منحه الاسلام بلالا.. فاعلم ان بلال هذا
لم يكن قبل الاسلام اكثر من عبد رقيق
يرعى ابل سيده على حفنات من التمر
حتى يطو به الموت
ويطوح به الى اعماق النسيان..
لكن صدق ايمانه
وعظمة الدين الذي امن به بواه في حياته
وفي تاريخه مكانا عليا في الاسلام بين العظماء والشرفاء والكرماء...
ان كثيرا من علية البشر
وذوي الجاه والنفوذ والثروة فيهم
لم يظفروا بمعشار الخلود الذي ظفر به بلال العبد الحبشي..!!
بل ان كثيرا من ابطال التاريخ لم ينالوا من الشهرة التاريخية بعض الذي ناله بلال..
ان سواد بشرته
وتواضع حسبه ونسبه
وهوانه على الانس كعبد رقيق
لم يحرمه حين اثر الاسلام دينا
من ان يتبوا المكان الرفيع الذي يؤهله له صدقه ويقينه
وطهره
وتفانيه..

ان ذلك كله لم يكن له في ميزان تقييمه وتكريمه اي حساب
الا حساب الدهشة حين توجد العظمة في غير مظانها..
فلقد كان الناس يظنون ان عبدا مثل بلال
ينتمي الى اصول غريبة.. ليس له اهل
ولا حول
ولا يملك من حياته شيئا
فهو ملك لسيده الذي اشتراه بماله.. يروح ويغدو وسط شويهات سيده وابله وماشيته..
كانوا يظنون ان مثل هذا الكائن
لا يمكن ان يقدر على شيء ولا ان يكون شيئا..
ثم اذا هو يخلف الظنون جميعا
فيقدر على ايمان
هيهات ان يقدر على مثله سواه.. ثم يكون اول مؤذن للرسول والاسلام العمل الذي كان يتمناه لنفسه كل سادة قريش وعظمائها من الذين اسلموا واتبعوا الرسول..!!
اجل.. بلال بن رباح!
اية بطولة.. واية عظمة تعبر عنها هذه الكلمات الثلاث بلال ابن رباح..؟!



انه حبشي من امة السود... جعلته مقاديره عبدا لاناس من بني جمح بمكة
حيث كانت امه احدى امائهم وجواريهم..
كان يعيش عيشة الرقيق
تمضي ايامه متشابهة قاحلة
لا حق له في يومه
ولا امل له في غده..!!
ولقد بدات انباء محمد تنادي سمعه
حين اخذ الانس في مكة يتناقلونها
وحين كان يصغي الى احاديث ساداته واضيافهم
سيما "امية بن خلف" احد شيوخ بني جمح القبيلة التي كان بلال احد عبيدها..
لطالما سمع امية وهو يتحدث مع اصدقائه حينا
وافراد قبيلته احيانا عن الرسول حديثا يطفح غيظا
وغما وشرا..

وكانت اذن بلال تلتقط من بين كلمات الغيظ المجنون
الصفات التي تصور له هذا الدين الجديد.. وكان يحس انها صفات جديدة على هذه البيئة التي يعيش فيها.. كما كانت اذنه تلتقط من خلال احاديثهم الراعدة المتوعدة اعترافهم بشرف محمد وصدقه وامانته..!!
اجل انه ليسمعهم يعجبون
ويحارون
في هذا الذي جاء به محمد..!!
ويقول بعضهم لبعض: ما كان محمد يوما كاذبا. ولا ساحرا..ولا مجنونا.. وان ام يكن لنا بد من وصمه اليوم بذلك كله
حتى نصد عنه الذين سيسارعون الى دينه..!!
سمعهم يتحدثون عن امانته..
عن وفائه..
عن رجولته وخلقه..
عن نزاهته ورجاحة عقله..
وسمعهم يتهامسون بالاسباب التي تحملهم على تحدي وعداوته
تلك هي: ولاؤهم لدين ابائهم اولا. والخوف على مجد قريش ثانيا
ذلك المجد الذي يفيئه عليها مركزها الديني
كعاصمة للعبادة والنسك في جزيرة العرب كلها
ثم الحقد على بني هاشم
ان يخرج منهم دون غيرهم نبي ورسول...!



وذات يوم يبصر بلال ب رباح نور الله
ويسمع في اعماق روحه الخيرة رنينه
فيذهب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم
ويسلم..
ولا يلبث خبر اسلامه ان يذيع.. وتدور الارض برؤوس اسياده من بني جمح.. تلك الرؤوس التي نفخها الكبر واثقلها الغرور..!! وتجثم شياطين الارض فوق صدر امية بن خلف الذي راى في اسلام عبد من عبيدهم لطمة جللتهم جميعا بالخزي والعار..
عبدهم الحبشي يسلم ويتبع محمد..؟!
ويقول امية لنفسه: ومع هذا فلا باس.. ان شمس هذا اليوم لن تغرب الا ويغرب معها اسلام هذا العبد الابق..!!
ولكن الشمس لم تغرب قط باسلام بلال بل غربت ذات يوم باصنام قريش كلها
وحماة الوثنية فيها...!

aj9-2wi5
10-28-2008, 01:28 PM
اما بلال فقد كان له موقف ليس شرفا للاسلام وحده
وان كان الاسلام احق به
ولكنه شرف للانسانية جميعا..
لقد صمد لاقسى الوان التعذيب صمود البرار العظام.
ولكانما جعله الله مثلا على ان سواد البشرة وعبودية الرقبة لا ينالان من عظمة الروح اذا وجدت ايمانها
واعتصمت بباريها
وتشبثت بحقها..
لقد اعطى بلال درسا بليغا للذين في زمانه
وفي كل مان
للذين على دينه وعلى كل دين.. درسا فحواه ان حرية الضمير وسيادته لا يباعان بملء الارض ذهبا
ولا بملئها عذابا..
لقد وضع عريانا فوق الجمر
على ان يزيغ عن دينه
او يزيف اقتناعه فابى..

لقد جعل الرسول عليه الصلاة والسلام
والاسلام
من هذا العبد الحبشي المستضعف استاذا للبشرية كلها في فن احترام الضمير
والدفاع عن حريته وسيادته..
لقد كانوا يخرجون به في الظهيرة التي تتحول الصحراء فيها الى جهنم قاتلة.. فيطرحونه على حصاها الماتهب وهو عريان
ثم ياتون بحجر مستعر كالحميم ينقله من مكانه بضعة رجال
ويلقون به فوق جسده وصدره..
ويتكرر هذا العذاب الوحشي كل يوم
حتى رقت لبلال من هول عذابه بعض قلوب جلاديه
فرضوا اخر الامر ان يخلوا سبيله
على ان يذكر الهتهم بخير ولو بكلمة واحدة تحفظ لهم كبرياءهم
ولا تتحدث قريش انهم انهزموا صاغرين امام صمود عبدهم واصراره..

ولكن حتى هذه الكلمة الواحدة العابرة التي يستطيع ان يلقيها من وراء قلبه
ويشتري بها حياته نفسه
دون ان يفقد ايمانه
ويتخلى عن اقتناعه..
حتى هذه الكلمة الواحدة رفض بلال ان يقولها..!
نعم لقد رفض ان يقولها
وصار يردد مكانها نشيده الخالد:"احد احد"
يقولون له: قل كما نقول..
فيجيبهم في تهكم عجيب وسخرية كاوية:
ان لساني لا يحسنه
..!!
ويظل بلال في ذوب الحميم وصخره
حتى اذا حان الاصيل اقاموه
وجعلوا في عنقه حبلا
ثم امروا صبيانهم ان يطوفوا به جبال مكة وشوارعها. وبلال لا يلهج لسانه بغير نشيده المقدس:" احد احد".

وكاني اذا جن عليهم الليل يساومونه:
غدا قل كلمات خير في الهتنا
قل ربي اللات والعزى
لنذرك وشاتك
فقد تعبنا من تعذيبك
حتى لكاننا نحن المعذبون!
فيهز راسه ويقول:" احد.. احد..".
ويلكزه امية بن خلف وينفجر غما وغيظا
ويصيح: اي شؤم رمانا بك يا عبد السوء..؟واللات والعزى لاجعلنك للعبيد والسادة مثلا.
ويجيب بلال في يقين المؤمن وعظمة القديس:
احد.. احد..
ويعود للحديث والمساومة
من وكل اليه تمثيل دور المشفق عليه
فيقول:
خل عنك يا امية.. واللات لن يعذب بعد اليوم
ان بلالا منا امه جاريتنا
وانه لن يرضى ان يجعلنا باسلامه حديث قريش وسخريتها..
ويحدق بلال في الوجوه الكاذبة الماكرة
ويفتر ثغره عن ابتسامة كضوء الفجر
ويقول في هدوء يزلزلهم زلزالا:
احد.. احد..
وتجيء الغداة وتقترب الظهيرة
ويؤخذ بلال الى الرمضاء
وهو صابر محتسب
صامد ثابت.
ويذهب اليهم ابو بكر الصديق وهو يعذبونه
ويصيح بهم:
(اتقتلون رجلا ان يقول ربي الله)؟؟
ثم يصيح في امية بن خلف: خذ اكثر من ثمنه واتركه حرا..
وكانما كان امية يغرق وادركه زورق النجاة..

لقد طابت نفسه وسعدت حين سمع ابا بكر يعرض ثمن تحريره اذ كان الياس من تطويع لال قد بلغ في في نفوسهم اشده
ولانهم كانوا من التجار
فقد اردكوا ان بيعه اربح لهم من موته..
باعوه لابي بكر الذي حرره من فوره
واخذ بلال مكانه بين الرجال الاحرار...

وحين كان الصديق يتابط ذراع بلال منطلقا به الى الحرية قال له امية:
خذه
فواللات والعزى
لو ابيت الا ان تشتريه باوقية واحدة لبعتكه بها..
وفطن ابو بكر لما في هذه الكلمات من مرارة الياس وخيبة الامل وكان حريا بالا يجيبه..
ولكن لان فيها مساسا بكرامة هذا الذي قد صار اخا له
وندا
اجاب امية قائلا:
والله لو ابيتم انتم الا مائة اوقية لدفعتها..!!

وانطلق بصاحبه الى رسول الله يبشره بتحريره.. وكان عيدا عظيما!
وبعد هجرة الرسول والمسلمين الى المدينة
واستقرارهم بها
يشرع الرسول للصلاة اذانها..
فمن يكون المؤذن للصلاة خمس مرات كل يوم..؟ وتصدح عبر الافق تكبيراته وتهليلاته..؟
انه بلال.. الذي صاح منذ ثلاث عشرة سنة والعذاب يهده ويشويه ان: "الله احد..احد".
لقد وقع اختيار الرسول عليه اليوم ليكون اول مؤذن للاسلام.
وبصوته الندي الشجي مضى يملا الافئدة ايمانا
والاسماع روعة وهو ينادى:
الله اكبر.. الله اكبر
الله اكبر .. الله اكبر
اشهد ان لااله الا الله
اشهد ان لا اله الا الله
اشهد ان محمدا رسول الله
اشهد ان محمدا رسول الله
حي على الصلاة
حي على الصلاة
حي على الفلاح
حي على الفلاح
الله اكبر.. الله اكبر
لااله الا الله...

aj9-2wi5
10-28-2008, 01:29 PM
ونشب القتال بين المسلمين وجيش قريش الذي قدم الى المدينة غازيا..
وتدور الحرب عنيفة قاسية ضارية..وبلال هناك يصول ويجول في اول غزوة يخوضها الاسلام
غزوة بدر.. تلك الغزوة التي امر الرسول عليه السلام ان يكون شعارها: "احد..احد".



في هذه الغزوة القت قريش بافلاذ اكبادها
وخرج اشرافها جميعا لمصارعهم..!!
ولقد هم بالنكوص عن الخروج "امية بن خلف" .. هذا الذي كان سيدا لبلال
والذي كان يعذبه في وحشية قاتلة..

هم بالنكوص لولا ان ذهب اليه صديقه "عقبة بن ابي معيط" حين علم عن نبا تخاذله وتقاعسه
حاملا في يمينه مجمرة حتى اذا واجهه وهو جالس وسط قومه
القى الجمرة بين يديه وقال له: يا ابا علي
استجمر بهبذ
فانما انت من النساء..!!!
وصاح به امية قائلا: قبحك الله
وقبح ما جئت به..
ثم لم يجد بدا من الخروج مع الغزاة فخرج..
اية اسرار للقدر
يطويها وينشرها..؟
لقد كان عقبة بن ابي معيط اكبر مشجع لامية على تعذيب بلال
وغير بلال من المسلمين المستضعفين..
واليوم هو نفسه الذي يغريه بالخروج الى غزوة بدر التي سيكون فيها مصرعه..!!
كما سيكون فيها مصرع عقبة ايضا!
لقد كان امية من القاعدين عن الحرب.. ولولا تشهير عقبة به على هذا النحو الذي رايناه لما خرج..!!
ولكن الله بالغ امره
فليخرج امية فان بينه وبين عبد من عباد الله حسابا قديما
جاء اوان تصفيته
فالديان لا يموت
وكما تدينون تدانون..!!

وان القدر ليحلو له ان يسخر بالجبارين.. فعقبة الذي كان امية يصغي لتحريضه
ويسارع اى هواه في تعذيب المؤمنين الابرياء
هو نفسه الذب سيقود امية الى مصرعه..
وبيد من..؟
بيد بلال نفسه.. وبلال وحده!!
نفس اليد التي طوقها امية بالسلاسل
واوجع صاحبها ضربا
وعذابا..
مع هذه اليد ذاتها
هي اليوم
وفي غزوة بدر
على موعد اجاد القدر توقيته
مع جلاد قريش الذي اذل المؤمنين بغيا وعدوا..
ولقد حدث هذا تماما..

وحين بدا القتال بين الفريقين
وارتج جانب المعركة من قبل المسلمين بشعارهم:" احد.. احد" انخلع قلب امية
وجاءه النذير..
ان الكلمة التي كان يرددها بالامس عبد تحت وقع العذاب والهول قد صارت اليوم شعار دين باسره وشعار الامة الجديدة كلها..!!
احد..احد
؟؟!!
اهكذا..؟ وبهذه السرعة.. وهذا النمو العظيم..؟؟



وتلاحمت السيوف وحمي القتال..
وبينما المعركة تقترب من نهايتها
لمح امية بن خلف" عبد الرحمن بن عوف" صاحب رسول الله
فاحتمى به
وطلب اليه ان يكون اسيره رجاء ان يخلص بحياته..
وقبل عبد الرحمن عرضه واجاره
ثم سار به وسط العمعمة الى مكان السرى.
وفي الطريق لمح بلال فصاح قائلا:
راس الكفر امية بن خلف.. لا نجوت ان نجا
.
ورفع سيفه ليقطف الراس الذي لطالما اثقله الغرور والكبر
فصاح به عبد الرحمن بن عوف:
اي بلال.. انه اسيري
.
اسير والحرب مشبوبة دائرة..؟
اسير وسيفه يقطر دما مما كان يصنع قبل لحظة في اجساد المسلمين..؟
لا.. ذلك في راي بلال ضحك بالعقول وسخرية.. ولقد ضحك امية وسخر بما فيه الكفاية..
سخر حتى لم يترك من السخرية بقية يدخرها ليوم مثل هذا اليوم
وهذا المازق
وهذا المصير..!!
وراى بلال انه لن يقدر وحده على اقتحام حمى اخيه في الدين عبد الرحمن بن عوف
فصاح باعلى صوته في المسلمين:
يا انصار الله.. راس الكفر امية بن خلف, لا نجوت ان نجا
...!
واقبلت كوكبة من المسلمين تقطر سيوفهم المنايا
واحاطت بامية وابنه ولم يستطع عبد الرحمن بن عوف ان يصنع شيئا.. بل لم يستطع ان يحمي اذراعه التي بددها الزحتم.
والقى بلال على جثمان امية الذي هوى تحت السيوف القاصفة نظرة طويلة
ثم هرول عنه مسرعا وصوته الندي يصيح:
احد.. احد..

aj9-2wi5
10-28-2008, 01:34 PM
لا اظن ان من حقنا ان نبحث عن فضيلة التسامح لدى بلال في مثل هذا المقام..
فلو ان اللقاء بين بلال وامية تم في ظروف اخرى
لجازنا ان نسال بلالا حق التسامح
وما كان لرجل في مثل ايمانه وتقاه ان يبخل به.
لكن اللقاء الذي تم بينهما
كان في حرب
جاءها كل فريق ليفني غريمه..

السيوف تتوهج.. والقتلى يسقطون.. والمنايا تتواثب
ثم يبصر بلال امية الذي لم يترك في جسده موضع انملة الا ويحمل اثار تعذيب.
واين يبصره وكيف..؟
يبصره في ساحة الحرب والقتال يحصد بسيفه كل ما يناله من رؤوس المسلمين
ولو ادرك راس بلال ساعتئذ لطوح به..
في ظروف كهذه يلتقي الرجلان فيها
لا يكون من المنطق العادل في شيء ان نسال بلالا: لماذا لم يصفح الصفح الجميل..؟؟



وتمضي الايام وتفتح مكة..
ويدخلها الرسول شاكرا مكبرا على راس عشرة الاف من المسلمين..
ويتوجه الى الكعبة راسا.. هذا المكان المقدس الذي زحمته قريش بعدد ايام السنة من الاصنام..!!
لقد جاء الحق وزهق الباطل..
ومن اليوم لا عزى.. ولا لات.. ولا هبل.. لن يجني الانسان بعد اليوم هامته لحجر
ولا وثن.. ولن يعبد الناس ملء ضمائرهم الا الله الي ليس كمثله شيء
الواحد الاحد
الكبير المتعال..
ويدخل الرسول الكعبة
مصطحبا معه بلال..!
ولا يكاد يدخلها حتى يواجه تمثالا منحوتا
يمثل ابراهيم عليه السلام وهو يستقسم بالازلام
فيغضب الرسول ويقول:
قاتلهم الله..
ما كان شيخنا يستقسم بالازلام.. ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين
.

ويامر بلال ان يعلو ظهر المسجد
ويؤذن.
ويؤذن بلال.. فيالروعة الزمان
واملكان
والمناسبة..!!
كفت الحياة في مكة عن الحركة
ووقفت الالوف المسلمة كالنسمة الساكنة
تردد في خشوع وهمس كلمات الاذان ورء بلال.

والمشركون في بيوتهم لا يكادون يصدقون:
اهذا هو محمد وفقراؤه الذين اخرجوا بالامس من هذا الديار..؟؟
اهذا هو حقا
ومعه عشرة الاف من المؤمنين..؟؟
اهذا هو حقا الذي قاتلناه
وطاردنبه
وقتلنا احب الناس اليه..؟
اهذا هو حقا الذي كان يخاطبنا من لحظات ورقابنا بين يديه
ويقول لنا:
اذهبوا فانتم الطلقاء
..!!

ولكن ثلاثة من اشراف قريش
كانوا جلوسا بفناء الكعبة
وكانما يلفحهم مشهد بلال وهو يدوس اصنامهم بقدميه
ويرسل من فوق ركامها المهيل صوته بالاذان المنتشر في افاق مكة كلها كعبير الربيع..
اما هؤلاء الثلاثة فهم
ابوسفيان بن حرب
وكان قد اسلم منذ ساعات
وعتاب بن اسيد
والحارث بن هشام
وكانا لم يسلما بعد.

قال عتاب وعينه على بلال وهو يصدح باذانه:
لقد اكرم الله اسيدا
الا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه. وقال الحارث:
اما والله لو اعلم ان محمدا محق لاتبعته..!!
وعقب ابو سفيان الداهية على حديثهما قائلا:
اني لا اقول شيئا
فلو تكلمت لاخبرت عني هذه الحصى!! وحين غادر النبي الكعبة راهم
وقرا وجوههم في لحظة
قال وعيناه تتالقان بنور الله
وفرحة النصر:
قد علمت الذي قلتم..!!!
ومضى يحدثهم بما قالوا..
فصاح الحارث وعتاب:
نشهد انك رسول الله
والله ما سمعنا احد فنقول اخبرك..!!
واستقبلا بلال بقلوب جديدة..في افئدتهم صدى الكلمات التي سمعوها في خطاب الرسول اول دخول مكة:
يامعشر قريش..
ان الله قد اذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالاباء..
الناس من ادم وادم من تراب
..



وعاش بلال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
يشهد معه المشاهد كلها
يؤذن للصلاة
ويحيي ويحمي شعائر هذا الدين العظيم الذي اخرجه من الظلمات الى النور
ومن الرق الى الحرية..
وعلا شان الاسلام
وعلا معه شان المسلمين
وكان بلال يزداد كل يوم قربا من قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يصفه بانه:" رجل من اهل الجنة"..
لكن بلالا بقي كما هو كريما متواضعا
لا يرى نفسه الا انه:" الحبشي الذي كان بالامس عبدا"..!!


ذهب يوما يخطب لنفسه ولاخيه زوجتين فقال لابيهما:
انا بلال, هذا اخي عبدان من الحبشة.. كنا ضالين فهدانا الله.. ومنا عبدين فاعتقنا الله.. ان تزوجونا فالحمد لله.. وان تمنعونا فالله اكبر..
!!



وذهب الرسول الى الرفيق الاعلى راضيا مرضيا
ونهض بامر المسلمين من بعده خليفته ابو بكر الصديق..
وذهب بلال الى خليفة رسول الله يقول له:
يا خليفة رسول الله..
اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: افضل عمل لبمؤمن الجهاد في سبيل الله
..
فقال له ابو بكر: فما تشاء يا بلال..؟
قال: اردت ان ارابط في سبيل الله حتىاموت..
قال ابو بكر ومن يؤذن لنا؟
قال بلال وعيناه تفيضان من الدمع
اني لا اؤذن لاحد بعد رسول الله.
قال ابو بكر: بل ابق واذن لنا يا بلال..
قال بلال: ان كنت اعتقتني لاكون لك فليكن لك ما تريد. وان كنت اعتقتني لله فدعني وما اعتقتني له..
قالابو بكر: بل اعتقتك لله يا بلال..
ويختلف الرواة
فيروي بعضهم انه سافر الى الشام حيث بقي فيها مجاهدا مرابطا.
ويروي بعضهم الاخر
انه قبل رجاء ابي بكر في ان يبقى معه بالمدينة
فلما قبض وولي عمر الخلافة استاذنه وخرج الى الشام.

على اية حال
فقد نذر بلال بقية حياته وعمره للمرابطة في ثغور الاسلام
مصمما ان يلقى الله ورسوله وهو على خير عمل يحبانه.

ولم يعد يصدح بالاذان بصوته الشجي الحفي المهيب
ذلك انه لم ينطق في اذانه "اشهد ان محمدا رسول الله" حتى تجيش به الذمؤيات فيختفي صوته تحت وقع اساه
وتصيح بالكلمات دموعه وعبراته.
وكان اخر اذان له ايام زار امير المؤمنين عمر وتوسل المسلمون اليه ان يحمل بلالا على ان يؤذن لهم صلاة واحدة.
ودعا امير المؤمنين بلال
وقد حان وقت الصلاة ورجاه ان يؤذن لها.
وصعد بلال واذن.. فبكى الصحابة الذين كانوا ادركوا رسول الله وبلال يؤذن له.. بكوا كما لم يبكوا من قبل ابدا.. وكان عمر اشدهم بكاء..!!



ومات بلال في الشام مرابطا في سبيل الله كما اراد.

وتحت ثرى دمشق يثوي اليوم رفات رجل من اعظم رجال البشر صلابة في الوقوف الى جانب العقيدة والاقتناع...

Khaled Yousry
10-30-2008, 01:44 PM
http://up.arabsgate.com/u/3250/2003/15193.gif
http://www.althkra.net/pic/ep/a5.gif

كنوز
11-15-2008, 03:46 PM
شكرا وبارك الله فيك

rasha84
12-16-2008, 09:26 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ربنا يبارك فيكى ويجعله فى ميزان حسانتك

الله عليكى تسلم ايديكى

جزاكى الله كل خير

جنة 1
12-16-2008, 11:02 PM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .