aj9-2wi5
10-28-2008, 11:35 AM
عمر بن عبد العزيز.. الاموي الراشد
حدود الخلافة الاموية
تبوا الخليفة عمر بن عبد العزيز مكانة سامقة في تاريخنا الاسلامي لم ينلها الا الافذاذ
من القادة والفاتحين، والجهابذة من ائمة العلم، والعباقرة من الكتاب والشعراء. ويزداد
عجبك حين تعلم انه احتل هذه المكانة بسنتين وبضعة اشهر قضاها خليفة للمسلمين، في حين
قضى غيره من الخلفاء والزعماء عشرات السنين دون ان يلتفت اليهم التاريخ؛ لان سنوات
حكمهم كانت فراغا في تاريخ امتهم، فلم يستشعر الناس تحولا في حياتهم، ولا نهوضا في
دولتهم، ولا تحسنا في معيشتهم، ولا احساسا بالامن يعم بلادهم.
وهذا يجعلك تؤمن بان القادة والزعماء يدخلون التاريخ باعمالهم التي تغير تاريخ امتهم
لا بالسنوات التي عاشوها يحكمون؛ فالخليفة العباسي الناصر لدين الله قضى ستا واربعين
سنة في منصب الخلافة (575هـ- 622هـ= 1179-1225م)، ومضى دون ان يحفر لنفسه مكانا في
تاريخ امته، في الوقت الذي قضى فيه سيف الدين قطز سلطانا في مصر نحو عام، نجح اثناءه
في الحاق اكبر هزيمة بالمغول في عين جالوت، واعادة الثقة في نفوس المسلمين، ثم قضى
نحبه على ايدي شركائه في النصر، بعد ان جذب الانتباه اليه، ونظر اليه الجميع بكل اعجاب
وتقدير، وكان دوره التاريخي -على قصر فترته الزمنية- كبيرا وباقيا.
وكان عمر بن عبد العزيز واحدا ممن دخلوا التاريخ باعماله العظيمة وادارته العادلة
للدولة، حتى تجدد الامل في النفوس انه بالامكان عودة حكم الخلفاء الراشدين واقعا
ملموسا لا قصصا تروى ولا اماني تطلب ولا خيالا يتصور، بل حقيقة يشهدها الناس، وينعمون
بخيرها.
واحتاج عمر بن عبد العزيز لاحداث هذا التغيير في حياة الامة الى ثلاثين شهرا، لا الى
سنوات طويلة، ولهذا دلالته ؛ حيث ان الامة كانت حية نابضة بالايمان، مليئة بالرجال
الذين يجمعون -الى جانب الصلاح- القدرة والكفاءة، ولو كانت الامة مجدبة من امثال هؤلاء
لما استطاع عمر ان يقوم بهذا الاصلاح العظيم في هذه الفترة القصيرة، وسنحاول في هذا
العدد رصد التغيير الذي احدثه عمر بن عبد العزيز في حياة امته.
المولد والنشاة
في المدينة المنورة ولد لعبد العزيز بن مروان بن الحكم ولد سماه عمر، على اسم جده عمر
بن الخطاب، فام عمر بن عبد العزيز هي ام عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. ولا يعرف على
وجه اليقين سنة مولده؛ فالمؤرخون يتارجحون بين اعوام 59 هـ، 61هـ، 62هـ، وان كان يميل
بعضهم الى سنة 62هـ، وايا كان الامر، فقد ولد عمر بن عبد العزيز في المدينة، وبها نشا
على رغبة من ابيه الذي تولى امارة مصر بعد فترة قليلة من مولد ابنه، وظل واليا على مصر
عشرين سنة حتى توفي بها (65هـ- 85هـ= 685-704م).
وفي المدينة شب الفتى النابه بين اخواله من ابناء واحفاد الفاروق عمر، واختلف الى
حلقات علماء المدينة، ونهل من علمهم، وتادب بادبهم، وكانت المدينة حاضرة العلم وماوى
ائمته من التابعين، ومن طال عمره من الصحابة؛ فروى عن انس بن مالك، وعبد الله بن جعفر
بن ابي طالب، وسهل بن سعد، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وابي سلمة بن عبد
الرحمن، والقاسم بن محمد بن ابي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله بن عمر.
ثم انتقل عمر بن عبد العزيز من مرحلة التلقي والسماع الى التحديث والرواية بعد ان رسخت
قدمه في العلم، وتتلمذ على ائمة الحديث والفقه. وكان ممن روى عن عمر بن عبد العزيز من
التابعين: ابو بكر بن حزم، ورجاء بن حيوة، والزهري، وايوب السختياني وغيرهم.
وبعد مرحلة طلب العلم استدعاه عمه الخليفة عبد الملك بن مروان الى دمشق حاضرة دولته،
وزوجه ابنته فاطمة، ثم عينه واليا على امارة صغيرة من اعمال حلب، وظل واليا عليها حتى
توفي عبد الملك بن مروان سنة (86هـ=705م).
والي المدينة
ولما تولى الوليد بن عبد الملك الخلافة بعد ابيه سنة (86هـ=705م) عين ابن عمه عمر بن
عبد العزيز واليا على المدينة خلفا لواليها السابق هشام بن اسماعيل المخزومي، وكان
هشام قد اساء السيرة في اهلها؛ فرغبوا عنه، ولم يرضوه حاكما عليهم، وقد استقبل اهل
المدينة الوالي الجديد استقبالا حسنا؛ فهم يعرفون خلقه وفضله منذ ان نشا بينهم،
واحسنوا الظن فيه؛ فلم يخيب امالهم، وبادر الى العمل الجاد، واختيار معاونيه من خيرة
الرجال، وافضلهم قدرة وكفاءة، وكان من بينهم شيوخه: عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد،
وسالم بن عبد الله بن عمر، فجمعهم، واخبرهم بسياسته وطريقته في الحكم، وقال لهم: اني
دعوتكم لامر تؤجرون فيه، ونكون فيه اعوانا على الحق. ما اريد ان اقطع امرا الا برايكم
او براي من حضر منكم؛ فان رايتم احدا يتعدى، او بلغكم عن عامل ظلامة، فاحرج بالله على
من بلغه ذلك الا ابلغني.
وفي فترة ولايته نعمت المدينة بالهدوء والاستقرار، وشعر الناس بالامن والعدل، وقام
بتجديد المسجد النبوي وتحسين عمارته، ثم عزله الخليفة الوليد عن ولايته سنة (93هـ=
711م) بعد ان ظل على المدينة ست سنوات، ولم يكن عزله عن تقصير واهمال او تقاعس عن
مباشرة احوال الناس المدينة، ولكن عزل بسبب وشاية استجاب لها الوليد، فاخرجه من منصبه،
فعاد عمر الى الشام، ولم يتول منصبا.
وظل عمر بن عبد العزيز حتى وفاة الوليد بن عبد الملك سنة (96هـ= 714م) في الشام، فلما
تولى سليمان بن عبد الملك الخلافة من بعده ابقى على عمر، ولم يوله منصبا، وجعله في
بلاطه مستشارا وناصحا، ومعاونا له وظهيرا؛ فلما حضرته الوفاة اوصى له بالخلافة من
بعده؛ لما راى فيه من القدرة والكفاءة، والتقوى والصلاح، والميل الى الحق والعدل؛
فتولاها في سنة (101هـ= 719م)
حدود الخلافة الاموية
تبوا الخليفة عمر بن عبد العزيز مكانة سامقة في تاريخنا الاسلامي لم ينلها الا الافذاذ
من القادة والفاتحين، والجهابذة من ائمة العلم، والعباقرة من الكتاب والشعراء. ويزداد
عجبك حين تعلم انه احتل هذه المكانة بسنتين وبضعة اشهر قضاها خليفة للمسلمين، في حين
قضى غيره من الخلفاء والزعماء عشرات السنين دون ان يلتفت اليهم التاريخ؛ لان سنوات
حكمهم كانت فراغا في تاريخ امتهم، فلم يستشعر الناس تحولا في حياتهم، ولا نهوضا في
دولتهم، ولا تحسنا في معيشتهم، ولا احساسا بالامن يعم بلادهم.
وهذا يجعلك تؤمن بان القادة والزعماء يدخلون التاريخ باعمالهم التي تغير تاريخ امتهم
لا بالسنوات التي عاشوها يحكمون؛ فالخليفة العباسي الناصر لدين الله قضى ستا واربعين
سنة في منصب الخلافة (575هـ- 622هـ= 1179-1225م)، ومضى دون ان يحفر لنفسه مكانا في
تاريخ امته، في الوقت الذي قضى فيه سيف الدين قطز سلطانا في مصر نحو عام، نجح اثناءه
في الحاق اكبر هزيمة بالمغول في عين جالوت، واعادة الثقة في نفوس المسلمين، ثم قضى
نحبه على ايدي شركائه في النصر، بعد ان جذب الانتباه اليه، ونظر اليه الجميع بكل اعجاب
وتقدير، وكان دوره التاريخي -على قصر فترته الزمنية- كبيرا وباقيا.
وكان عمر بن عبد العزيز واحدا ممن دخلوا التاريخ باعماله العظيمة وادارته العادلة
للدولة، حتى تجدد الامل في النفوس انه بالامكان عودة حكم الخلفاء الراشدين واقعا
ملموسا لا قصصا تروى ولا اماني تطلب ولا خيالا يتصور، بل حقيقة يشهدها الناس، وينعمون
بخيرها.
واحتاج عمر بن عبد العزيز لاحداث هذا التغيير في حياة الامة الى ثلاثين شهرا، لا الى
سنوات طويلة، ولهذا دلالته ؛ حيث ان الامة كانت حية نابضة بالايمان، مليئة بالرجال
الذين يجمعون -الى جانب الصلاح- القدرة والكفاءة، ولو كانت الامة مجدبة من امثال هؤلاء
لما استطاع عمر ان يقوم بهذا الاصلاح العظيم في هذه الفترة القصيرة، وسنحاول في هذا
العدد رصد التغيير الذي احدثه عمر بن عبد العزيز في حياة امته.
المولد والنشاة
في المدينة المنورة ولد لعبد العزيز بن مروان بن الحكم ولد سماه عمر، على اسم جده عمر
بن الخطاب، فام عمر بن عبد العزيز هي ام عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. ولا يعرف على
وجه اليقين سنة مولده؛ فالمؤرخون يتارجحون بين اعوام 59 هـ، 61هـ، 62هـ، وان كان يميل
بعضهم الى سنة 62هـ، وايا كان الامر، فقد ولد عمر بن عبد العزيز في المدينة، وبها نشا
على رغبة من ابيه الذي تولى امارة مصر بعد فترة قليلة من مولد ابنه، وظل واليا على مصر
عشرين سنة حتى توفي بها (65هـ- 85هـ= 685-704م).
وفي المدينة شب الفتى النابه بين اخواله من ابناء واحفاد الفاروق عمر، واختلف الى
حلقات علماء المدينة، ونهل من علمهم، وتادب بادبهم، وكانت المدينة حاضرة العلم وماوى
ائمته من التابعين، ومن طال عمره من الصحابة؛ فروى عن انس بن مالك، وعبد الله بن جعفر
بن ابي طالب، وسهل بن سعد، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وابي سلمة بن عبد
الرحمن، والقاسم بن محمد بن ابي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله بن عمر.
ثم انتقل عمر بن عبد العزيز من مرحلة التلقي والسماع الى التحديث والرواية بعد ان رسخت
قدمه في العلم، وتتلمذ على ائمة الحديث والفقه. وكان ممن روى عن عمر بن عبد العزيز من
التابعين: ابو بكر بن حزم، ورجاء بن حيوة، والزهري، وايوب السختياني وغيرهم.
وبعد مرحلة طلب العلم استدعاه عمه الخليفة عبد الملك بن مروان الى دمشق حاضرة دولته،
وزوجه ابنته فاطمة، ثم عينه واليا على امارة صغيرة من اعمال حلب، وظل واليا عليها حتى
توفي عبد الملك بن مروان سنة (86هـ=705م).
والي المدينة
ولما تولى الوليد بن عبد الملك الخلافة بعد ابيه سنة (86هـ=705م) عين ابن عمه عمر بن
عبد العزيز واليا على المدينة خلفا لواليها السابق هشام بن اسماعيل المخزومي، وكان
هشام قد اساء السيرة في اهلها؛ فرغبوا عنه، ولم يرضوه حاكما عليهم، وقد استقبل اهل
المدينة الوالي الجديد استقبالا حسنا؛ فهم يعرفون خلقه وفضله منذ ان نشا بينهم،
واحسنوا الظن فيه؛ فلم يخيب امالهم، وبادر الى العمل الجاد، واختيار معاونيه من خيرة
الرجال، وافضلهم قدرة وكفاءة، وكان من بينهم شيوخه: عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد،
وسالم بن عبد الله بن عمر، فجمعهم، واخبرهم بسياسته وطريقته في الحكم، وقال لهم: اني
دعوتكم لامر تؤجرون فيه، ونكون فيه اعوانا على الحق. ما اريد ان اقطع امرا الا برايكم
او براي من حضر منكم؛ فان رايتم احدا يتعدى، او بلغكم عن عامل ظلامة، فاحرج بالله على
من بلغه ذلك الا ابلغني.
وفي فترة ولايته نعمت المدينة بالهدوء والاستقرار، وشعر الناس بالامن والعدل، وقام
بتجديد المسجد النبوي وتحسين عمارته، ثم عزله الخليفة الوليد عن ولايته سنة (93هـ=
711م) بعد ان ظل على المدينة ست سنوات، ولم يكن عزله عن تقصير واهمال او تقاعس عن
مباشرة احوال الناس المدينة، ولكن عزل بسبب وشاية استجاب لها الوليد، فاخرجه من منصبه،
فعاد عمر الى الشام، ولم يتول منصبا.
وظل عمر بن عبد العزيز حتى وفاة الوليد بن عبد الملك سنة (96هـ= 714م) في الشام، فلما
تولى سليمان بن عبد الملك الخلافة من بعده ابقى على عمر، ولم يوله منصبا، وجعله في
بلاطه مستشارا وناصحا، ومعاونا له وظهيرا؛ فلما حضرته الوفاة اوصى له بالخلافة من
بعده؛ لما راى فيه من القدرة والكفاءة، والتقوى والصلاح، والميل الى الحق والعدل؛
فتولاها في سنة (101هـ= 719م)